جديد منتديات مجالس العلم
ضبط معاني الألفاظ الشرعية
| المقالات - الـفـقـه |
يحتاج أهل المعرفة والثقافة -خصوصا- والناس -عموما- إلى ضبط معاني ألفاظ القرءان والسنة، وكلمات الصحابة - رضي الله عنهم - واصطلاحات العلماء على تباين فنونهم، والألفاظ التي يتداوله الناس على اختلاف أحوالهم وأعرافهم، لما يكتنف اللفظ أو المصطلح الواحدة -في كثير من الأحايين- من الاشتباه لتعدد معانيه.
وقد حدد لنا العلماء -رحمهم الله- لضبط ذلك مجموعة من القواعد الفرائد تجنبا للاختلاف ما أمكن، فرحم الله الإمام ابن حزم حيث يقول: "لو اتفقت مصطلحات الناس لانتهت ثلاثة أرباع خلاف أهل الأرض"اهـ [المصطلح الأصولي ومشكلة المفاهيم لعلي جمعة ص 47].
والمقصود في هذه المقالة الكشف عن السبيل لضبط حقيقة الألفاظ الشرعية من جهة العموم المتعلق بأي لفظ، وكذا من جهة خصوص تلكم الحقائق الشرعية.
أما عموما فالأمر الجامع لدَرْءِ الاشتباه عن الألفاظ وضبط معانيها، يحصل بأمرين اثنين:
- أولهما: استقراء المعنى والاستعمال( أي التتبع لهما).
- ثانيهما: إعطاء كل ذي حق حقه. انظر [الإحكام" لابن حزم- رحمه الله- 8/101].
أما على الخصوص فنقول: من الدلائل على أهمية ضبط الحقيقة الشرعية للألفاظ الواردة في الكتاب والسنة ما صح عن عبادة بن الصامت - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: "ليستحلن طائفة من أمتي الخمر باسم يسمونها إياه" [حديث صحيح لغيره أخرجه أحمد وابن ماجة انظر السلسة الصحيحة رقم 90].
قال ابن العربي المالكي- رحمه الله- تعليقا على الحديث: "وهو أصل في أن الأحكام إنما تتعلق بمعاني الأسماء لا بألقابها" [نقله عنه الحافظ في الفتح 10/57].
فإذا كان الأمر كذلك فكيف يتوصل إلى معرفة الحقيقة الشرعية؟.
ذلك بأمرين:
- الأول: استقراء النصوص الشرعية، وتتبع استعمال اللفظ المراد، وذلك بشدة البحث وكثرة النظر والمطالعة.
قال ابن حزم -رحمه الله-: "الوقوف على الحقائق لا يكون إلا بشدة البحث، وشدة البحث لا تكون إلا بكثرة المطالعة......." [التقريب له198].
- الثاني: مراعاة عرف الصحابة رضي الله عنهم في استعمال الألفاظ إذ الشرع نزل بلغتهم وبعرفهم في الأصل، وهو ما اصطلح عليه: بعرف زمن التشريع.
قال شيخ الإسلام- رحمه الله-: "ومن لم يعرف لغة الصحابة التي كانوا يتخاطبون بها ويخاطبهم بها النبي - صلى الله عليه وسلم- وعادتهم في الكلام وإلا حرف الكلم عن مواضعه، فإن كثيرا من الناس ينشأ على اصطلاح قوم وعادتهم في الألفاظ ثم يجد تلك الألفاظ في كلام الله أو رسوله أو الصحابة، فيظن أن مراد الله أو رسوله أو الصحابة بتلك الألفاظ ما يريده بذلك أهل عادته واصطلاحه، ويكون مراد الله ورسوله والصحابة خلاف ذلك" اهـ [أنظر قاعدة جليلة 77].
أما قول من قال أن معرفة ذلك مرجعه أصلا وفرعا إلى اللغة العربية فنقول: هذا صحيح لكن مع ضم فهم السلف الصالح ونهجهم لها جنبا إلى جنب، مع الاستقراء والتتبع كما -أسلفنا- كما أشار إليه الشاطبي -رحمه الله- في الموافقات وغيره.
وليعلم أن تفسير اللفظ الوارد في النص الشرعي بالحقيقة الشرعية أو العرفية أو اللغوية حسب القاعدة السابقة يصير هذا التفسير مرادا شرعا لا تجوز مخالفته دون دليل.
قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: "الأسماء التي علق الله بها الأحكام في الكتاب والسنة:
منها ما يعرف حده ومسماه بالشرع، فقد بينه الله ورسوله، كاسم الصلاة، والزكاة..
ومنه ما يعرف حده باللغة، كالشمس، والقمر، والسماء...
ومنه ما يرجع حده إلى عادة الناس وعرفهم، فيتنوع بحسب عادتهم، كاسم البيع، والنكاح، والقبض، .. ونحو ذلك من الأسماء التي لم يحدها الشارع بحد، ولا لها حد واحد يشترك فيه جميع أهل اللغة، بل يختلف قدره وصفته باختلاف عادات الناس.
فما كان من النوع الأول، فقد بينه الله ورسوله، وما كان من الثاني والثالث فالصحابة والتابعون المخاطبون بالكتاب والسنة قد عرفوا المراد به لمعرفتهم بمسماه المحدود في اللغة أو المطلق في عرف الناس وعادتهم من غير حد شرعي ولا لغوي، بهذا يحصل التفقه في الكتاب والسنة.
والاسم إذا بين النبي -صلى الله عليه وسلم- حد مسماه لم يلزم أن يكون قد نقله عن اللغة أو زاد فيه بل المقصود أنه عُرِف مراده بتعريفه هو صلى الله عليه وسلم كيف ما كان الأمر، فإن هذا هو المقصود..
وإذا كان الأمر كذلك فما أطلقه الله من الأسماء وعلق به الأحكام من الأمر والنهي، والتحليل والتحريم، لم يكن لأحد أن يقيده إلا بدلالة من الله ورسوله -صلى الله عليه وسل- " اهـ [مجموع الفتاوي" 19/235-236].
| < السابق | التالي > |
|---|




